عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

32

الشيخ محمد الغزالي

--> اللغوية والأدبية . وهو متمكّن من اللغة ، واع لقواعد النحو والصرف ، لا يلحن ولا يخطئ ، كأنّما يقرأ صحيفة مضبوطة بالشكل . وهو حريص على أن يكون أداؤه صحيحاً مائة في المائة ، ولا يسامح نفسه في زلّة يسبق بها لسانه . وقد رأيته مرّة تحمّس في خطبة ، فسبقت إلى لسانه هفوة نحوية يسيرة ، فأسف لذلك أسفاً شديداً ، وقال : « هذا نتيجة الانفعال ، وسأحاول ألّا أُكرّر ذلك ما استطعت ! » . ويلحظ المهتمّ بالعربية أنّ الشيخ يراعي الدقائق النحوية التي يغفل عنها الكثيرون ، مثل : اجتماع الشرط والقسم ، وتقديم القسم أو ما يدلّ عليه ، فلا يقع فيما يقع فيه من لا يعرف القواعد ، ويقرن الجواب بالفاء ، كقول بعضهم : لئن فعلتم كذا فسيعاقبكم اللَّه ، والصواب : لئن فعلتم كذا ليعاقبنكم اللَّه . وفي هذا يقول ابن مالك : واحذف لدى اجتماع شرط وقسم * جواب ما أخّرت فهو ملتزم ولقد حدّث الشيخ عن نفسه : أنّه بعد تخرّجه عيّن إماماً وخطيباً بمسجد عزبان بالعتبة ، وأنّه بعد عدّة أسابيع نفدت بضاعته ولم يجد ما يقوله للناس ، فبدأ تكوين نفسه من جديد ، يقرأ في علوم الدين ومعارف الدنيا ، في الكتب القديمة والكتب الحديثة ، في مصادر الشرق وما ترجم عن الغرب ، حتّى أمكنه أن يرضى عن نفسه ، وأن يجد عندها ما يستطيع أن يمنحه لغيره . فالشهادة ليست هي نهاية العلم ، بل مفتاحه ، والداعية يجب أن يظلّ قارئاً ما عاش ، فالقراءة هي حياته ، واللَّه تعالى يقول لرسوله : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، والسلف يقولون : لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنّه علم فقد جهل . ومن مأثوراتهم : « اطلب العلم من المهد إلى اللحد » . وقد شدّت خطب الغزالي جماهير المثقّفين والشباب إليه ، فكانوا يفدون إليه من أنحاء شتّى مستمعين ومستفيدين ، وخصوصاً في المساجد التي كان يخطب فيها بانتظام ، مثل : مسجد الزمالك ، وجامع الأزهر ، وجامع عمرو بن العاص ، الذي أحيته خطب الشيخ بعد أن كان شبه مهجور ، وهو أوّل مسجد أُسس للإسلام في أفريقيا . أنشأت هذه الخطب مدرسة إسلامية في فهم الإسلام وإفهامه ، وهي مدرسة تقدّم الدين من ينابيعه الصافية ، موثّقاً بالأدلّة ، خالصاً من الزوائد والشوائب ، بعيداً عن التحريف والتزييف ، -